شبكة طريق سعادة إدارة شبكة

سجّل في : 04 نوفمبر 2007 عدد المساهمات : 1290 الوسام : 
 | موضوع: الأندلس تبحث عن مآذنها 2008-04-27, 23:19 | |
| الأندلس تبحث عن مآذنها

"العديد من مسلمي إسبانيا يعانون من ندرة المساجد" هذا العنوان اختارته صحيفة "نيويورك تايمز" لتقريرها الذي سلّطت فيه الضوء على إحدى معاناة المسلمين في إسبانيا أو بلاد الأندلس سابقاً.
"فيكتوريا بورنيت" مراسلة الصحيفة الأمريكية في مدريد كتبت تقول: مع اقتراب وقت صلاة الجمعة، في يوم من أيام الشتاء القارس؛ كان المسلمون يتوافدون على مسجد "نورث ستريت" المكتظ بالمصلين، لكنهم كثيراً ما يضطرون للصلاة في الشارع من كثرة الزحام.
السيد كويتين نائب رئيس الرابطة الإسلامية للاتحاد والتعاون في ليدا جنوب شرقي إسبانيا؛ أكّد أن مسلمي إسبانيا يضطرون للصلاة في مرآب السيارات لعدم توفر المساجد الكافية لهم، قائلاً: "أن تصلي في مرآب ليس كما تصلي في المسجد، نريد مكاناً نستطيع الصلاة فيه بارتياح، وبدون أن نزعج الآخرين".
والغريب في الأمر أن تحدث كل هذه المعاناة في بلادٍ كانت تعُجُّ بالمآذن، وترتفع صيحات التكبير في كل جنباتها في يومٍ من الأيام، ثم يأتي اليوم الذي يجتمع فيه المسلمون في إحدى الشقق أو البيوت أو حتى في مرآب للسيارات ليتغلبوا على زيادة أعداد المصلين وندرة المساجد التي يمكنهم الصلاة فيها.
أين الخلل؟!
وتُرجِع الصحيفة تلك الأزمة إلى الحالة المعيشية المتردية التي يحياها المهاجرون المسلمون في تلك البلاد، فأعدادهم تزداد، في الوقت الذي تتدنى فيه مستوياتهم المعيشية، حيث يوجد نحو مليون مسلم، بالإضافة إلى تدفقات المهاجرين من شمال إفريقيا إلى البلاد، كل هذا العدد لا يجد غير 12 مسجداً فقط للصلاة.
لكن الفقر ليس سبباً منطقياً، خاصة وأن الصحيفة أردفت قائلة: "إلا أن محاولات المسلمين في العديد من المناطق بناء مساجد تحتويهم كثيراً ما كانت تُقابل بالرفض من قِبل غير المسلمين الذين أبدوا تخوفهم من دخول حضارة غريبة على مجتمعاتهم.
هذه المشاعر السلبية تجاه المسلمين تزايدت بعد تفجيرات مدريد في مارس 2004م، والتي لقي فيها 191 شخصاً مصرعهم، لدرجة أن السلطات المحلية في بعض المناطق، وبضغط من المجتمعات غير المسلمة الغاضبة في إسبانيا؛ كانت تمنع المسلمين من شراء أراضٍ بغرض بناء مساجدهم عليها، وكانت النتيجة أن شعر كثير من المسلمين بالتهميش والاضطهاد.
محمد هلهول الناطق باسم المجلس الإسلامي الكاتالوني يؤكد على أن بناء مسجد ملائم في المنطقة التي يعيش فيها من شأنه أن يكون مرجعاً، ونقطة التقاء يجتمع حولها المسلمون في إسبانيا.
وتشير الصحيفة إلى أن المسلمين حكموا إسبانيا (بلاد الأندلس) مئات السنين، لكن بمجرد أن تهاوت سلطتهم على تلك البلاد في أوائل القرن الرابع عشر؛ بدأت مساجدهم تتحول إلى كنائس أو تترك بلا رواد حتى أصبحت كالكهوف، ومنذ ذلك الحين لم يُنشأ في إسبانيا بأسرها سوى 12 مسجداً على أكثر التقديرات لخدمة المسلمين هناك؛ الذين قفز تعدادهم في السنوات العشر الأخيرة من 50 ألفاً إلى مليون مسلم بفضل نشاطات المهاجرين إلى تلك البلاد.
توتر:
هذه الزيادة في أعداد المسلمين واكبها انخفاض في عدد مُرْتادي الكنائس في إسبانيا التي أصبحت كاثوليكية، وهو الأمر الذي أثار الخلافات القديمة بين أتباع الإسلام والكاثوليكية؛ فالملك فرديناند والملكة إيزابيلا هما اللذان هزما الحاكم المغربي في الأندلس في عام 1492م، أما اليوم فتُناضل الكنائس من أجل جلب المزيد من الزوَّار إليها، أما المساجد فمكتظة عن آخرها، ولا تكفي مسلمي البلاد.
أنجيل روس، عمدة مدينة ليدا، قال في مقابلة صحفية: "واقع هذه البلاد تغيّر بسرعة أكبر مما حدث في غيرها من الدول. فالعملية التي كانت تستغرق 30 عاماً في إيطاليا أو فرنسا استغرقت 10 سنوات فقط في إسبانيا". وتذكر الصحيفة أن عطلة السبت والأحد تمّ استبدال الجمعة بهما، يوم عيد المسلمين، في كثير من المدن الإسبانية.
ويحاول المواطنون من غير المسلمين وقف ما يرونه "المدّ الإسلامي الذي يهدّد هوية بلادهم الكاثوليكية"، لذلك تجدهم يسعون لتأجير أي مرآب للسيارات في محيط المناطق التي يقطنونها حتى لا يعطوا المسلمين فرصة تأجيرها واستخدامها حتى ولو لصلاة الجمعة، ولما لم تفلح محاولتهم تلك؛ انتقلوا لوسيلة أخرى أكثر دهاءً ألا وهي رفع الشكاوى للمجالس المحلية يطالبونهم فيها بإغلاق هذه الأماكن التي يستأجرها المسلمون بحجة الحفاظ على الصحة العامة، وتجنب المخاطر التي ربما تنجم عن ذلك!.
ونقلت الصحيفة عن "رويجي" قولها: "زادت التوترات مع زيادة أعداد المهاجرين الوافدين"، ويبدو أن نجاح المهاجرين من المسلمين لم يعجبها، فقالت: "لقد أنشأوا محلات للحوم، ومراكز خاصة بهم، ومطاعم"، لكنها لم تكتفِ بذلك بل قالتها صراحة: "إنهم متطرفون، ومتعصبون، ولا يريدون الاندماج".
المسجد هو الحل!:
أئمة المسلمين في إسبانيا يقولون: إن نقص المساجد يعتبر أحد الأسباب التي تحول دون الاندماج.
حتى من وجهة النظر الأمنية يوجد شبه إجماع بين السلطات الإسبانية وقادة الجالية المسلمة على أنه من الأسهل متابعة ما يجري داخل مساجد قليلة لكنها تتسع لكثيرين من متابعة 600 قاعة أو مرآب أو شقة صغيرة متناثرة في أنحاء البلاد يضطر المسلمون استخدامها لأداء صلواتهم.
ورغم هذه الغيوم ما زال المسلمون يؤمنون بإمكانية تحقيق مطالبهم العادلة في أن تعلو المآذن ثانية في سماء تلك البلاد، وفق معاهدة بين الرابطة الإسلامية في مدينة ليدا بحلول ديسمبر القادم، وبذلك تكون ليدا هي المدينة الأولى في كتالونيا التي تسمح ببناء المساجد.
وقد وفّرت الرابطة عقد إيجار مدته 50 عاماً لقطعة أرض تابعة للحكومة الإسبانية على أطراف المدينة فيما قال السيد كويتين: إن الرابطة الإسلامية تأمل في بدء مشروعها العام القادم إذا ما استطاعت توفير نفقات التدشين.
ليس هذا هو الفتح الوحيد في إسبانيا لكن كثيراً من التجمعات الإسلامية الأخرى في البلاد في طريقهم لنفس البشرى، لكن ذلك أتى بعد سنوات من النضال المرير، ففي العام 2005م قام غير المسلمين بإلقاء رأس خنزير في إحدى الأماكن التي اختارها المسلمون لتدشين مسجد.
في هذه الأثناء تقدم الائتلاف الحاكم في كتالونيا بمشروع قرار إلى البرلمان في ديسمبر الماضي يلزم الحكومات المحلية بتخصيص أراضٍ للمساجد وأماكن العبادة الأخرى، ويأمل ممثلو الجالية الإسلامية أن يتحول هذا المشروع لقانون قومي.
لكن الرهبان الكاثوليك كان لهم رأي آخر، فالكاردينال لويس مارتينيز سيستاتش رئيس أساقفة برشلونة عارض مشروع القانون الذي يقضي بالمساواة بين الأديان في أحقية الحصول على أراضٍ لأماكن العبادة، مطالباً بمعاملة خاصة للكاثوليكية.
صحيفة "ABC" الإسبانية نقلت عن "سيستاتش" قوله: "الكنيسة والمعبد والمسجد ليسوا سواء"، كما اعتبر مشروع القانون بمثابة "الاعتداء على حقنا في ممارسة شعائرنا الأساسية، وهذه تعتبر حرية شخصية".
لكن خبراء القانون والأديان يعارضون هذا الزعم؛ لأن الكنيسة الكاثوليكية الثرية لا تواجه مشكلة في شراء الأراضي لبناء الكنائس.
في هذه الأثناء ما زال مسلمو إسبانيا يناضلون من أجل الحصول على أبسط حقوقهم، ورغم أنهم قد قطعوا في هذا الطريق شوطاً لا بأس به؛ فإن الكثير من التحديات ما زالت في انتظارهم.
|
|